| |
03-08-2010, 01:35 PM
|
رقم المشاركة1
|
|
|
أول يوم بالعمل ( ذكريات )
أول يوم في العمل
للأشياء الأولى في حياة الإنسان طعم خاص وبريق وجمال , بل إن الإحساس بها يلازمنا مدى الحياة ولا ينسى , أول يوم بالمدرسة , أول يوم بكل مرحلة دراسية , أول يوم بالجامعة , أول يوم بالعمل , أول مرتب ( ماهية ) أول يوم بمقر السكن الجديد , أوائل كثيرة بحياتنا لذكرياتها وقع خاص .
وحتى أوليات اجتماعياتنا تمتلئ جمالا وروعة بدءا من أول خفقة قلب بالمحبوب , وأول لقاء وأول يوم خطوبة وأول يوم الزواج , أول مولود / ة , وأول مرة تسمع كلمه بابا / ماما وهكذا ...
وتمتد متع ولذة هذه الأوائل وتشمل أول منتدى سجلت به وأول موضوع قمت بكتابته , وأول من رحب بك وأول من شاركك النقاش بالموضوع فيما كتبت وهكذا ...
ولكن لأول يوم بالعمل مذاق ( خاص ) لأنه يترتب عليه بناء الكيان الاقتصادي للأسرة , مع أننا كسودانيين نبارح أعمالنا إلى غيرها بسهولة ويسر , ولأن أوضاع البلاد غير المستقرة كثيرا ما تدفعنا إلى ( البحث عن ) و إيجاد عمل بديل ذا عائد أفضل أو عمل إضافي قد يصبح أساسي مستقبلا أو قد نبارحه الى غيره .
وشخصيا دخلت الحياة العملية مبكرا وأنا بالمراحل الدراسية ( خلال فترة الإجازات ) كعامل يومية في قطاع المقاولات والبناء ( طلبه ) ثم ترقيت إلى ( مساعد معلم ) , ولكن بدايتي العملية الجادة كانت ببنك الخرطوم بعد جولات لا بأس بها وزيارات متكررة لمكاتب ( لجنة الاختيار للخدمة العامة ) .
في ذلك الصباح ارتديت أبهى ما أملك ويممت شطر المركز الرئيسي لبنك الخرطوم بشارع القصر اسأل عن شئون المستخدمين لأستلم وظيفتي الجديدة أو ليتم توزيعي على أي من فروع البنك الممتدة والمنتشرة كالبقالات على كل الشوارع الرئيسية والفرعية , وأكثر فروع بنك الخرطوم تسمى بالشوارع التي تقام عليها , فتجد فرع الجمهورية وفرع البرلمان وفرع الحرية وفرع الجامعة وهكذا , وبعضها يسمى بأسماء المناطق كفرع السجانه وفرع السوق الشعبي وفرع السوق العربي وهكذا أيضا ...
آخر تعديل بواسطة البشير دفع الله ، 03-08-2010 الساعة 01:44 PM
|
|
|
|
03-08-2010, 01:39 PM
|
رقم المشاركة2
|
|
|
جلست إلى مدام إحسان ( إن لم تخنني الذاكرة ) نائب مدير شئون المستخدمين , وهي امرأة ممتلئة سمراء أول ما يلفت انتباهك إليها النضارة الطبية التي ترتديها والتي تبدو ك ( قعر الكباية ) , وككل الموظفات اللائي أعرفهن ولدي فكرة عنهن ترتدي ثوبا أبيضا ناصع البياض ولكنه فخم أو هكذا تخيلت .
كنت أبدو مرتبكا بعض الشئ أعدل من نضارتي الطبية تارة , و كم وياقة قميصي تارة أخرى , والثواني تمضي بطيئة ومدام إحسان لم تحسن إلي بعد بشئ , ولم تعرني أي اهتمام أو تخفف علي من هذا الموقف العصيب , ثم فتح الله عليها أن باغتتني بسؤال وهي تقلب أوراقها : انت ساكن وين ؟
ولو كنت أعلم قدر المصيبة التي سببتها إجابتي لالتزمت بالصمت ( الشئ الوحيد الذي أجيده ) , ولكنني أجبت بكل الثقة : جبل أولياء , ساكن جبل أولياء , وكان لهذه الإجابة وقعها على مدام إحسان , التي وضعت القلم جانبا وتخلت عن أوراقها للمرة الأولى ووجهت نظرها إلي مباشرة لتعيد علي السؤال : قلت لي ساكن وين ؟ جبل أولياء ؟ هسع يوزعوك وين وأنت ساكن آخر الدنيا ؟
أيقنت لوهلة أنه لا حظ لي بتقلد هذه الوظيفة بأكبر وأعرق بنك بالسودان , ولم أستغرب هذا الأمر وسؤ الطالع يلازمني منذ الصغر وكبر معي كما كبرت , ودارت برأسي ذكريات الدراسة بقاهرة المعز وأيام العز والوجاهة وزياراتي لمعرض القاهرة الدولي للكتاب ولدور السينما والمسارح ولأهرامات الجيزة والآثار , واستمتاعي بفنون وآداب أشقائنا الفراعنة وأيقنت أنني قد أخذت نصيبي والحمد لله على نعمائه وآلائه , ومن شريط الذكريات السريع الذي استعرضته ( مرت علي جزئية هامة تتعلق بوظيفة البنك التي أضحت على كف عفريت الآن ) وهي الشيكات والحوالات التي تصلني من الأهل , وتذكرت المرة ( الأولى ) التي دخلت فيها بنك الخرطوم فرع الطيار مراد ( قبل سفري لمصر بأيام ) لأقوم باستبدال جنيهاتي وآخذ بدلا عنها شيكا مصرفيا بالدولار الحسابي , وكيف رأيت موظفي البنك غاية في الو سامه والجمال يجلسون على مكاتب نظيفة ومرتبة , ينعمون بالتكييف البارد ويرتدون الكرافاتات الفخمة والأنيقة .
فرددت في صوت خافت مع تلك الذكريات فرع الطيار مراد الطيار مراد تقاطع مع شارع الجامعة .
وقطع علي تلك اللحظات صوت مدام إحسان الجهوري القوي : قلت لي الطيار مراد ؟ ليه اخترت الطيار مراد ؟ طرحت هذا السؤال وهي تأخذ ورقة مطبوعة جاهزة لتضيف أعلاها ( سعادة مدير بنك الخرطوم – فرع الطيار مراد ) , ثم قبل أن أجيبها على سؤالها , طرحت سؤالها التالي والأخير : قلت لي اسمك منو بالكامل ؟ و ملأت فراغا في ذات الخطاب , وأخذت ظرفا فارغا من أظرف البنك ووضعت فيه الخطاب , وسلمته لي وهي تقول : بالتوفيق .
عرفت بعدها وأنا أغادر شئون المستخدمين أن هذا الخطاب هو ما يعرف ( بخطاب التعيين ) .
|
|
|
|
03-08-2010, 01:42 PM
|
رقم المشاركة3
|
|
|
نعم أعرفه جيدا بنك الخرطوم - فرع الطيار مراد , ولكن زيارتي له هذه المرة مختلفة تماما , وأنا أحمل خطاب تعييني موظفا به .
أول ما يقابلك عند زيارة المدير هو السكرتيرة ( إخلاص ) الفتاة الفارعة الطول السمراء من بنات غرب السودان وكانت ترتدي عباءة فضفاضة رمادية أو بنية اللون ( فعمى الألوان يلازمني من ذلك الوقت وحتى الآن ) مع طرحة بيضاء مربوطة بإحكام , استقبلتني بأدب جم وابتسامة عذبة , أعطيتها الخطاب فطلبت مني الجلوس والانتظار ريثما تستأذن لي المدير , دقائق الانتظار مملة وقاسية , أتذكر الآن اللوحات الإرشادية التي تكتب في بعض أماكن الأنتظار هنا بالسعودية ( دقائق الانتظار إملاءها بالاستغفار ) ولم يكن السودان وقتها يعرف مثل هذه الروحانيات القيمة .
وأذكر كم أعجبتني هذه العبارة عندما قرأتها للمرة ( الأولي ) وأنا بأحد المرافق الصحية بأبها أنتظر دوري لأدخل على طبيب الأسنان , ولعله من أقيم ما أكتسبناه في غربتنا بالمملكة هذه الروحانيات والأدبيات .
فتح باب مكتب المدير ودعتني السكرتيرة للدخول , ألقيت التحية بالابتسامة التي أوفرها لمثل هذا الموقف العصيب , وقف الرجل دفعة واحدة على الرغم من ضخامة جسمه وطوله مما يجعلني أبدو أمامه كقزم , يرتدي قميص نصف كم ولكنه أقرب للكم الكامل تتدلى منه كرافته عريضة وأنيقة , تنحدر لما بعد ( الكرش ) مما يجعلها تتهاوى من الفراغ دون أن تصل لحزام البنطال , ومن اللوحة الخشبية الأنيقة على مكتبه عرفت أسمه ( محمد علي العوض مدير الفرع ) وصافحني بكل ود وطلب مني الجلوس , وسألني ماذا أشرب فاعتذرت ولكنه أصر وضغط على الجرس فأتى الساعي وطلب لي شاي .
من لكنته في الحديث استخلصت أنه من قبائل شمال السودان الناطقة بغير العربية دنقلاوي , محسي , حلفاوي شئ من هذا القبيل لم أستطع تحديد هويته وقتها , ويمتلئ البنك في ذلك الوقت بأبناء القبائل الشمالية خاصة وببعض الأقباط الذين أتعامل معهم للمرة الأولى .
خلال تلك الجلسة ( الما منظور مثيلها ) تحدثنا حول مجال دراستي ( المتواضعة ) وخبرتي السابقة ( غير الموجودة ) في المجال المصرفي وإمكانياتي ( الضعيفة ) ومدى تقبلي لضغط العمل ( وهذا شئ في علم الغيب ) , ومدى التزامي بالمواعيد ( وهذا أمر مشكوك فيه لأني أسكن آخر الدنيا كما تقول مدام إحسان ) فالجلسة برمتها محفوفة بالمخاطر ولا يصب لصالحي منها الا حماسي المتدفق .
جئ بالشاي الساخن وخلال تناولي له أنشغل السيد المدير بتوقيع أوراق جاءته بها إخلاص , كان يسألها تارة ويوقع دون أن يسألها تارة أخرى , لاحظت مدى أدبها معه , واختيارها لكلماتها له بعناية فائقة , واستخدامها لعبارات مثل سعادتك , حضرتك , لو تكرمت , لو تفضلت , يا ريس , ربما يكن هذا هو الدرس الأول في فن الاتيكيت بصورة عامة وفن التعامل مع المدراء والرؤساء بصورة خاصة , وهي فرصة ( للعبد لله ) القادم من بيئة ريفية , جافة الألفاظ قوية الكلمات والمعاني ليتعلم شيئا ذا قيمة , وكثير من الأشياء نتعلمها بالملاحظة , وما أقل التعليم الذي نتلقاه على مقاعد الدراسة مقارنة بما تقدمه لنا الحياة من دروس وعبر.
أواصل لاحقا
|
|
|
|
03-08-2010, 02:33 PM
|
رقم المشاركة4
|
|
|
التحية لك اخي البشير
السرد جميل ونحن في انتظار البقية
مع الاحترام والتقدير
|
|
|
|
03-08-2010, 06:24 PM
|
رقم المشاركة7
|
|
|
أخي الحبيب الطاهر عثمان
أسعد الله مساءك بكل الخير
أعدت لي ذكريات المستشفى السعودي الألماني , وعمنا عثمان خيري مدير شئون العاملين , والدكتور صلاح شعلان المدير الطبي, والأستاذ وجدي زايد المدير التنفيذي , وأنا كمحاسب عندي غرام مع لغة الأرقام والتواريخ , عشان كده حتلاقي تواريخ كتيرة في كلامي , وطبعا تجاوزتها في المشاركات الفوق دي عن قصد , عشان ما أكون قاعد براي في السهلة , وقلت أشوف لو الناس حددت تواريخ أفك ليكم تواريخي بكل دقة , وأنا متأكد اني أقدم المتواجدين حاليا بالمنتدى , عشان كده أكتبوا تواريخكم وأنتم مطمئنين .
عندك فترة خصبة جدا يا الحبيب شايفك مريت عليها على عجل , وهيي فترة العمل ( غير المؤسس ) الشغل الكيري ( قبل الوظيفة ) , وما شاء الله شايفك جربت السبع صنايع .
ولكني أحمد لك أخي عصاميتك ومحاولة شقك للطريق دون مساعدة من أحد ودون وساطات , وهي التي يعتمد عليها أكثر شباب هذه الأيام في البحث عن وظائفهم حين تعز الوظيفة والعمل .
أنتظر قدومك مجددا
|
|
|
|
03-09-2010, 05:14 PM
|
رقم المشاركة8
|
|
|
تسلم يا الحبيب ... وكانت لنا بالفعل ايام وذكريات جميلة جدا
|
|
|
|
|
|